آ،حسان الأسود، الأمين العام للتحالف السوري الديمقراطي
أشّرَت حربُ غزّة بالبنان إلى استحقاقات كبيرة في المنطقة، بعضها لم تتضح معالمه بشكل جليّ بعد، وبعضها الآخر أثبت نجاعته
تاريخيًا وصار لزامًا الاستفادة منه عربيًا وإسلاميًا. من بين هذه الاستحقاقات الكثيرة والمتعددة، كان العملُ على كسبِ الرأي العام
العالمي، فهو من أهم المسائل التي يجب دراستها والتركيز عليها. ثمّة رأيٌ وازنٌ يقول إنّ الانسحاب الأمريكي من فيتنام جاء نتيجة
الضغط الهائل للرأي العام الأمريكي أولًا وللرأي العام العالمي ثانيًا، طبعًا مع عدم القفز على تضحيات الشعب الفيتنامي بكل تأكيد.
الأمثلة كثيرة على تلك الآثار الممتدّة للرأي العام في صناعة السياسيات في الدول الديمقراطية من جهة، وتأثيراتها على غيرها من
الدول لاحقًا بحكم وحدة المجتمعات البشرية وتأثرها ببعضها نتيجة العولمة واتساع نطاق تبادل أدواتها من جهة ثانية. من بين ذلك
انتشار عدوى التغييرات التي اضطرت كثير من الأنظمة القيام بها خلال العقود الأخيرة تحت وقع التأثير المتبادل لهبّات الشعوب أو
لانتفاضات المحكومين.
ثمّة شيفرة لا بدّ من فك رموزها تجعل من تأثيرات مجموعات الضغط (Lobbies) أكثر فاعلية في صناعة السياسات لدى الدول
المختلفة، وخاصة منها الديمقراطية، من الرأي العام المحكي عنه هنا. لعلّ الأمر يعود لطبيعة عمل الأولى، وأدواتها المستخدمة،
وتركيز أصحابها على قضايا محددة، واستمراريتها ضمن منظومة متكاملة تتوافق وأسس النظام الرأسمالي وطبيعته. بينما تعتمد الثانية
(أي منظومة الرأي العام) على أدوات هي بطبيعتها من منتجات النظام الرأسمالي، الذي يقوم أساسًا على رعاية مصالح مجموعات
الضغط هذه وحمايتها، باعتبارها جزءًا بنيويًا من النظام ذاته وفاعلًا رئيسًا فيه. والسؤال الذي يمثل عقدة المنشار هو كيف تتحوّل إرادة
الناخبين المتأثرين بالرأي العام الذين هم أجزاء طبيعية منه، إلى نتائج تخدم عادة أصحاب رأس المال بالدرجة الأولى وحتى العاشرة
قبل أن تصب بمصلحة الناخبين ذاتهم! وهذا السؤال يحتاج لإجابة تشرح كيفية تحوّل القناعات الجمعية المعبّر عنها بمصطلحات مثل
"إرادة الناس، أو مصالح الجمهور، أو الرأي العام...إلخ" إلى ممارسات فردية تصبّ في النهاية خارج المقصد النهائي لها!
فهم هذين الإطارين الواقعيين للعمل في الشأن العام، يسمح بلا ريب باكتشاف بعض مفاتيح التأثير لمناصرة القضايا العادلة عربيًا
وإسلاميًا. فقضايا جوهرية إقليميًا ومحليًا كالقضية السورية، وقضايا مركزية لمجموعات كثيرة من الشعوب العربية والإسلامية
كالقضية الفلسطينية، التي يمكن وصفها بأنّها قضيّة هُوية لمجموعات وازنة من شعوب بلاد الشام (سوريا، الأردن، لبنان وفلسطين
بطبيعة الحال)، يمكن أن تحقق نجاحات هائلة إذا ما استطاع أصحابها الولوج في نظام التشغيل الدولي المعاصر. ثمّة تجربة خاضها
جمعُ شبابٍ فلسطيني وشابّات قبل ما يقرب من العامين إثر الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة على سكان حيّ الشيخ جرّاح في القدس،
وقد حققوا من خلالها خرقًا مهمًا لاحتكار سوق المعلومات والتواصل والإعلام الذي كان بلا منازع تحت سيطرة الإسرائيليين، أو على
الأقل في خدمة روايتهم ومنظورهم للصراع. واليوم تبرز الحاجةُ ملحّةً لمثل هذه المقاربة بعد صحوة الضمير العالمية شبه الإجبارية،
التي جاءت في جزء أساسي ورئيس منها نتيجة الدم الفلسطيني المراق مدرارًا على مذبح التحرر والكرامة الوطنية، ولكن في جزء
آخر منها لتفاعل البشر مع القضيّة بوسائل متعددة.
لكن كيف ستكون هذه المقاربة وكثير من الأنظمة العربية والإقليمية لا تمثّل حقيقةً إرادة شعوبها، بل هي أكثر قربًا من الناحية
الموضوعية، للمنظومة العالمية التي تتسيدها الرؤية الغربية الداعمة بلا أدنى شك للصهيونية ولإسرائيل؟ وهل يمكن التعويل على
التنافس بين هذه الأنظمة لإحداث خرق في جدار الصدّ المبنى في وجه الشعوب الطامحة للتحرر، وهل يمكن استغلال ثغرات العولمة
ذاتها لزيادة أواصر الترابط بين الشعوب على حساب الترابط بين الأنظمة؟ تبدو هذه الأسئلة صعبةً، ويبدو أنّ استكشاف هوامش
الحركة ليس بالأمر اليسير، لكن لو نظرنا إلى الخطاب المنطقي الناعم الذي استخدمه بعضُ الأفراد مثل باسم يوسف، أو الخطاب
الدبلوماسي القانوني الواضح المباشر والجريء الذي استخدمه السفير الفلسطيني في لندن حسام زملط، وإلى الأدوات التي يسّرتها
التكنولوجيا الحديثة الخارجة من إسار الغرب كمنصّة (TikTok)، لوجدنا أنّه ثمّة ما يمكن العمل عليه بهذا الشأن. لكن تبقى حقيقةُ أنّ
سوق الإعلام والتواصل هي مُنتجٌ غربي بالأساس، وبالتالي يبقى أنّ أدوات التحكم فيه لا زالت في غالبيتها بيد الدول والشركات
الغربية، أي إنّ المنافسة على صناعة الرأي العام العالمي أو توجيهه ستصطدم بعقبات كثيرة جدًا لو اتخذت الطرق التقليدية.
تقول إحدى الدراسات الرصينة إنّ 60% من أفراد الشعب الأميركي منخرطون في إحدى مجموعات الضغط، وإنّ أقوى مجموعة في
الولايات المتحدة الأمريكية هي (مجموعة موظفي الدولة المتقاعدين)، ثم يأتي بعدها مجموعات مثل (اتحاد مصنعي السلاح) وThe
Jewish Lobby، وإنّ اللوبي اليهودي يعمل من القاعدة إلى القمّة على عكس مجموعات الضغط العربية، فاليهود يستثمرون في البنية
المجتمعية فيعملون من خلال نظام التعليم بما فيه مساحات للتنشئة المبكرة، يستثمرون في الإعلام وفي المصارف وينشؤون منظومات
متكاملة تدعم إسرائيل بكل الوسائل، يساعدهم في ذلك طبعًا التبنّي الغربي لإسرائيل وقدم الجالية اليهودية، لكن هذا لا يعني أنّ
الجاليات العربية والمسلمة يجب أن تستسلم، فقد أثبتت التجارب أنّه يمكن بناء سردية مختلفة إذا ما توفرت الإرادة. تبرز الحاجة هنا
ملحّة لقيادة أو قيادات متناغمة قادرة على فهم النظام الغربي، وهذه تتوفر في الشباب العرب والمسلمين الذي حركتهم تلك التناقضات
الصارخة بين ما يسمعونه عن حرية التعبير وعن الديمقراطية، وبين ما شهدوه من خلال التعامل المنحاز للإجرام الإسرائيلي بحق
المدنيين الفلسطينيين وتكميم الأفواه حتى في بعض البلدان تحت غطاءٍ قانوني يتخذ من تجريم معاداة السامية مستندًا له.

المعركة طويلة وقاسية، لكنّها مُستحقّة وواجبة، فهذا العالم لا يعترف إلا بالأقوياء، ولا يمكن لقضيّة مهما كانت عادلةً أو مُحقّة أن
تنتصر لمجرّد أنها كذلك، فربُّ العزّة جلّ جلاله لا يسمع من ساكت، بل هو الذي حضّ المؤمنين والمؤمنات على الطلب والسعي قبل
الدعاء، ونحن علينا أن نبدأ التفكير بأدواتٍ جديدة يمكن من خلالها استثمار طاقات الشباب الهائلة في المسار الصحيح، وهنا علينا
التحضير جيدًا لمعارك قادمة، ومن خلال كسب الرأي العام العالمي يمكن أن نوفّر الكثير من الدماء.
في 14/12/2023
حسان الأسود